أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
90
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الطير بالحشف والعناب ، وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصم ، أو الذي جمع بين البصر والسمع على أن تكون الواو في « وَالْأَصَمِّ » وفي « وَالسَّمِيعِ » لعطف الصفة على الصفة ، كقوله : 2672 - . . . . . . . . . . . . . . . ال * - صابح فالغانم فالآيب « 1 » قلت : يريد بقوله : اللف أنه لفّ المؤمنين والكافرين اللذين هما مشبهان بقوله « الْفَرِيقَيْنِ » ، ولو فسرهما لقال : مثل الفريقين المؤمن كالبصير ، ومثل الكافر كالأعمى والأصم ، وهي عبارة مشهورة في علم البيان . لفظتان متقابلتان اللف والنشر . وأشار لقول امرئ القيس : 2673 - كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي « 2 » أصل الكلام : كأن الرطب من قلوب الطير العناب واليابس منها الحشف فلفه ونشر ، وللف والنشر في علم البيان تقسيم كبير ، ليس هذا موضعه . وأشار بقوله : الصالح فالغانم إلى قوله : 2674 - يا ويح زبّاية للحارث ال * - صّابح فالغانم فالآيب « 3 » وقد تقدم ذلك في أول البقرة « 4 » وتحريره . فإنّ قلت : لم قدّم تشبيه الكافر على المؤمن ؟ أجيب : بأن المتقدم ذكر الكفار ، فلذلك قدم تمثيلهم . فإن قيل : ما الحكمة في العدول عن هذا التركيب ، فلو قيل : كالأعمى والبصير والأصم والسميع ، لتقابلت كل لفظة مع ضدها . ويظهر بذلك التضاد ؟ أجيب : بأنه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد الأذن ، ولما ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن . وهذا التشبيه أحد الأقسام ، وهو تشبيه أمر معقول بأمر محسوس ، وذلك أنه شبه عمى البصيرة بعمى البصر ، وصم السمع ذاك متردد في ظلم الضلالات ، كما أن هذا متحيز في الطرقات ، وهذه فوائد علم البيان . قوله : مَثَلًا تمييز وهو منقول من الفاعلية والأصل : هل يستوى مثلهما كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 5 » ، وجوّز ابن عطية أن يكون حالا ، وفيه بعد صناعة ومعنى ، لأنه على معنى من لا على معنى في . قوله : إِنِّي لَكُمْ . قرأ ابن كثير وأبو عمرو الكسائي « أنّي » بفتح الهمزة والباقون بكسرها ، فأما الفتح فعلى إضمار حرف الجر ، أي : بأنى لكم . قال الفارسي - في قراءة الفتح : خروج من الغيبة إلى المخاطبة . قال ابن عطية : « وفي هذا نظر ، وإنما هي حكاية مخاطبته لقومه ، وليس هذا حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة ، ولو كان الكلام أن أنذرهم ، أو نحوه لصح ذلك » . وقد قال بهذه المقالة أعني : الالتفات ، مكي فإنه قال : « بأني والجار والمجرور في موضع المفعول الثاني ، وكان الأصل أنه ، لكنه جاء على طريقة الالتفات » . ولكن هذا الالتفات غير الذي ذكره أبو علي ، فإنّ ذاك من غيبة إلى خطاب ، وهذا من غيبة إلى متكلم وكلاهما غير محتاج إليه ، وإن كان قول مكي أقرب . وقال الزمخشري : الجار والمجرور صلة لحال محذوفة ، والمعنى : أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام ، وهو قوله : « إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ » بالكسر ،
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أنظر البيت في ديوانه ( 145 ) ، المغني ( 1 / 218 ) ، التصريح ( 1 / 382 ) ، المنصف ( 2 / 117 ) ، المصون ( 66 ) ، دلائل الإعجاز ( 66 ) ، روح المعاني ( 12 / 34 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) آية : رقم ( 4 ) . ( 5 ) سورة مريم ، آية : ( 4 ) .